محمد حسين علي الصغير
71
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
فالحق والباطل أمران معنويان ، ولا يقع عليهما الضرب وهو أمر مادي ، والضرب لا يقع إلا من جارحة أو سواها على قابل ، وليس للّه جارحة ، ولا الحق بقابل لذلك ، ولا الباطل بموضع للضرب ، وإنما هو تعبير مجازي عن محق الباطل وظفر الحق . ه - التغليب « وهو إعطاء الشيء حكم غيره ، وقيل ترجيح « أحد المغلوبين على الآخر ، وإطلاق لفظه عليهما ، إجراء للمختلفين مجرى المتفقين » « 1 » . كقوله تعالى بالنسبة إلى مريم ابنة عمران : وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ « 2 » . فغلب عليها صفة الذكور ، ولو لم يرد المعنى المجازي في ذلك ، لجاء بالأصل الموضوع للإناث وهو القانتات ، ولكنه أطلقه على الذكور والإناث من باب التغليب . وقد عد الزركشي ذلك من المجاز « لأن اللفظ لم يستعمل فيما وضع له ، ألا ترى أن القانتين موضوع للذكور الموصوفين بهذا الوصف ، فإطلاقه على الذكور والإناث على غير ما وضع له » « 3 » . وفي ختام هذا الفصل لا بدّ أن نشير إلى دلالة ذات أهمية بيانية في القرآن الكريم ، وهي أن القرآن في طرحه لنماذج المجاز المرسل نجده كثيرا ما يسند الفاعلية إلى الجماد ، فيصفه بالحركة ، ويشيع الحس بالكائنات الصامتة ، فكأنها ناطقة تتكلم ، ويضفي مناخ القدرة والقوة على ما لا حول له ولا قوة ، اعتدادا منه بهذه الظاهرة البيانية ، ولعله يريد بذلك أن يفجر روافد بلاغية جديدة ذات إطار تجددي على مجموعة الممارسات البيانية في اللغة العربية الكريمة ، ولعل خير ما يمثل ذلك قوله تعالى : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ . . . « 4 » .
--> ( 1 ) السيوطي ، الاتقان : 3 / 121 . ( 2 ) التحريم : 12 . ( 3 ) الزركشي ، البرهان : 3 / 312 . ( 4 ) النحل : 112 .